كتب | حسن النجار
أثار العثور على حطام الطائرة المُسيّرة التي استهدفت سفينتين داخل ميناء دمياط اهتمامًا واسعًا، بعدما أصبح الحطام أحد أهم الأدلة الفنية التي تستند إليها جهات التحقيق لتحديد نوع الطائرة وقدراتها التشغيلية، تمهيدًا لتضييق نطاق الاحتمالات بشأن الجهة التي أطلقتها، دون أن يكون ذلك دليلًا قاطعًا على المسؤولية.

وتبدأ التحقيقات الفنية في مثل هذه الحوادث عادةً بفحص بقايا الطائرة المُسيّرة، حيث يمكن لمكونات صغيرة مثل أجزاء الهيكل، والمحرك، والدوائر الإلكترونية، وأنظمة التوجيه والاتصالات، أن تكشف معلومات دقيقة حول الطراز المستخدم، والتقنيات التي يعتمد عليها، ومدى الطيران الذي تستطيع الطائرة قطعه.
ويُعد تحديد مدى الطائرة من أهم المراحل الأولية في التحقيق، إذ يسمح للمختصين برسم خريطة أولية للمناطق التي يمكن أن تكون نقطة انطلاقها، واستبعاد المواقع التي تتجاوز قدرة الطائرة على الوصول إلى الهدف.
وفي حال أثبتت الفحوص أن المُسيّرة تنتمي إلى الفئة متوسطة المدى، والقادرة على التحليق لمسافة تتراوح بين 500 و800 كيلومتر، فإن ذلك يستبعد نظريًا المواقع الأبعد من هذا النطاق. وتشير التقديرات الجغرافية إلى أن أقرب المناطق التي ارتبطت بفصائل مسلحة في العراق تبعد عن ميناء دمياط ما بين 850 و1000 كيلومتر، بينما تبلغ المسافة من غرب إيران نحو 1600 كيلومتر، ومن شمال اليمن قرابة 1900 كيلومتر، وهي مسافات تتجاوز قدرات هذا النوع من الطائرات.
في المقابل، تقع بعض المواقع الأخرى ضمن هذا النطاق، إذ تُقدَّر المسافة بين جنوب لبنان وميناء دمياط بنحو 550 كيلومترًا، بينما تبلغ المسافة من أقرب قواعد تشغيل للطائرات المُسيّرة في إسرائيل نحو 330 كيلومترًا، وهو ما يجعلها ضمن الحدود الفنية للطائرات متوسطة المدى، دون أن يشكل ذلك دليلًا على مصدر الهجوم.
أما إذا كشفت التحليلات الفنية أن الطائرة من الفئة بعيدة المدى، فإن دائرة الاحتمالات تتسع لتشمل مناطق أبعد، مثل بعض المواقع في إيران أو العراق أو اليمن، حيث تمتلك بعض الطائرات المُسيّرة بعيدة المدى القدرة على تجاوز مسافات تصل إلى أكثر من 1500 أو 2000 كيلومتر وفقًا لطرازها وإمكاناتها.
ويؤكد خبراء التحقيقات العسكرية أن تحديد مدى الطائرة لا يكفي وحده لتحديد الجهة المنفذة، بل يقتصر دوره على رسم الإطار الجغرافي والفني المحتمل، فيما يعتمد الوصول إلى نتائج نهائية على مجموعة واسعة من الأدلة الفنية والاستخباراتية.
وتشمل هذه الإجراءات مراجعة بيانات الرادارات المدنية والعسكرية، وتحليل مسار الطيران المحتمل، والاستعانة بصور الأقمار الصناعية، وفحص آثار الانفجار، والتحقق من أي عمليات اعتراض جوي، إضافة إلى مطابقة مكونات الطائرة مع قواعد بيانات متخصصة تضم مواصفات مئات الطائرات المُسيّرة المعروفة عالميًا.
وبذلك يمثل حطام المُسيّرة نقطة الانطلاق في مسار التحقيق، وليس نهايته، إذ يساعد في تحديد نوع الطائرة وقدراتها الفنية وتضييق دائرة الاحتمالات، بينما يبقى تحديد جهة الإطلاق أو المسؤولية النهائية مرهونًا بما ستكشف عنه التحقيقات الرسمية بعد استكمال فحص جميع الأدلة الفنية والاستخباراتية.







